يعتاد كثيرون على تشغيل التلفاز قبل النوم وتركه يعمل طوال الليل، سواء للاستماع إلى الأصوات في الخلفية أو للشعور بالراحة والتخلص من الهدوء، لكن هذه العادة التي تبدو بسيطة قد تؤثر في جودة النوم وطريقة عمل الدماغ أثناء الليل. فبينما يحتاج الدماغ إلى ساعات من النوم الهادئ لاستعادة نشاطه وتنظيم الذاكرة ومعالجة المعلومات، قد يؤدي التعرض المستمر للضوء والأصوات الصادرة عن التلفاز إلى إرباك هذه العملية.
ولا يقتصر الأمر على الشعور بالتعب عند الاستيقاظ، إذ تشير الأبحاث إلى أن التعرض للضوء أثناء النوم، خصوصا الضوء المنبعث من الشاشات، قد يؤثر في الساعة البيولوجية للجسم والعمليات المرتبطة بالنوم، ما يجعل النوم مع تشغيل التلفاز عادة تستحق إعادة النظر.
كيف يؤثر ضوء التلفاز في الدماغ أثناء النوم؟
يعمل الدماغ وفق ساعة بيولوجية تنظم مواعيد النوم والاستيقاظ، وتتحكم في إفراز هرمون الميلاتونين الذي يساعد الجسم على الاستعداد للنوم. وعندما يبقى التلفاز مضاء طوال الليل، يستمر الدماغ في استقبال الضوء الاصطناعي، ما قد يربك الإشارات الطبيعية المرتبطة بالليل والنهار.
وتزداد أهمية هذه المسألة عندما يكون الضوء المنبعث من الشاشة ساطعا أو قريبا من العين، إذ يمكن للضوء الاصطناعي، خصوصا الأزرق والأبيض، أن يثبط إفراز الميلاتونين ويجعل الدخول في النوم أكثر صعوبة.
وبالتالي، قد لا يحصل الدماغ على الظروف المناسبة للانتقال إلى مراحل النوم العميق بصورة طبيعية، حتى لو شعر الشخص بأنه نام لساعات كافية.
هل يؤثر التلفاز في الذاكرة والتركيز؟
لا يقتصر تأثير النوم على صحة الجسم، بل يؤدي دورا أساسيا في وظائف الدماغ، ومنها تثبيت الذكريات ومعالجة المعلومات التي اكتسبها الإنسان خلال اليوم.
وعندما يتعرض النوم للتقطع أو لا يحصل الشخص على قسط كاف من النوم العميق، قد تتأثر قدرته على التركيز والانتباه والتعلم واسترجاع المعلومات في اليوم التالي.
وتشير أبحاث علمية إلى أن التعرض للضوء أثناء النوم قد يغير أنماط النشاط الكهربائي للدماغ المرتبطة بمراحل النوم المختلفة، بما في ذلك الموجات الدماغية التي ترتبط بالنوم العميق واستقراره.
وهذا لا يعني أن تشغيل التلفاز يؤدي مباشرة إلى تلف خلايا الدماغ أو الإصابة بفقدان الذاكرة، لكنه قد يؤثر بصورة غير مباشرة في وظائف الدماغ من خلال إضعاف جودة النوم واستمراريته.
ماذا كشفت الدراسات عن النوم والتلفاز؟
في دراسة علمية نشرت عام 2023 في مجلة Sleep، بحث العلماء العلاقة بين التعرض للضوء داخل غرف النوم وجودة النوم، وشملت الدراسة 47,765 امرأة.
ووجد الباحثون أن النوم مع تشغيل التلفاز ارتبط بارتفاع انتشار عدد من مشكلات النوم مقارنة بالنوم في غرفة مظلمة، ومنها قصر مدة النوم وعدم انتظام مواعيده وزيادة الدين المتراكم من النوم.
كما ارتبط وجود التلفاز قيد التشغيل بارتفاع انتشار مؤشرات ضعف صحة النوم إجمالا.
لكن من المهم الإشارة إلى أن هذه الدراسة رصدية، أي إنها أظهرت ارتباطا بين تشغيل التلفاز ومشكلات النوم، ولم تثبت أن التلفاز وحده هو السبب المباشر لهذه المشكلات.
هل تؤثر أصوات التلفاز أيضا في النوم؟
نعم، فالضوء ليس العامل الوحيد الذي قد يؤثر في جودة النوم، بل يمكن للأصوات الصادرة عن التلفاز أن تسبب اضطرابات أثناء الليل.
فعلى الرغم من أن الإنسان قد لا يستيقظ بصورة كاملة عند سماع الأصوات، فإن الدماغ يظل قادرا على الاستجابة للمؤثرات الصوتية المحيطة، خصوصا عندما تتغير مستويات الصوت فجأة أو تكون هناك أصوات مرتفعة ومفاجئة.
وقد يؤدي ذلك إلى استثارة الدماغ وحدوث استيقاظات قصيرة أو اضطراب استمرارية النوم، ما يقلل من الشعور بالراحة عند الاستيقاظ صباحا.
لذلك، فإن ترك التلفاز يعمل طوال الليل قد يجمع بين التعرض للضوء والضوضاء، وهما عاملان لا يساعدان على توفير بيئة مناسبة للنوم.
هل النوم مع التلفاز يسبب أضرارا طويلة الأمد للدماغ؟
لا توجد أدلة علمية كافية تثبت أن النوم مع تشغيل التلفاز يؤدي وحده إلى تلف الدماغ أو الإصابة بالخرف أو الزهايمر.
لكن القلق العلمي يرتبط بتأثير هذه العادة المحتمل في جودة النوم على المدى الطويل، خصوصا إذا تسببت في الحرمان المزمن من النوم أو تقطعه.
فالنوم غير الكافي أو غير المريح قد يؤثر في الذاكرة والتعلم والانتباه وتنظيم المشاعر، كما أن استمرار اضطرابات النوم يستدعي البحث عن أسبابها والتعامل معها.
ومن هنا، لا تكمن المشكلة بالضرورة في مشاهدة التلفاز قبل النوم، بل في تركه مضاء ومصدرا للأصوات طوال ساعات الليل.










